مشكلتي ـ وأحسبها مشكلة كل من يقرأ التاريخ أو يحاول أن يفهمه خارج انفعال اللحظة ـ أنني كلما أردت الكتابة عن يناير 2011، وجدتني مضطرًا إلى الكتابة عن ثورة الشعب المصري عبر قرنين من الزمان، وربما أكثر.
كأن يناير لم تكن واقعة قائمة بذاتها، بل ثمرة شجرة قديمة، جذورها ضاربة في تاريخ طويل من الصراع مع السلطة، ومع الظلم، ومع فكرة الحاكم الفرد.
قبل الحملة الفرنسية بسنوات، وفي عام 1795، ثار المصريون ضد تعسف المماليك وظلمهم ومكوسهم وسيطرتهم على الحياة المدنية، وقاد علماء الأزهر تلك الثورة الشعبية، واضعين للمرة الأولى مبادئ حاكمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم: ألا تُفرض ضرائب جديدة إلا بموافقة علماء الأمة ونوابها، وأن يُسحب العسكر إلى ثكناتهم، وأن تُرفع المظالم وتتحقق العدالة. لم تكن تلك ثورة جوع فحسب، بل ثورة وعي مبكر بفكرة العقد الاجتماعي وحدود السلطة.
منذ ذلك التاريخ، ظل نضال الشعب المصري يحمل عنوانين ثابتين: مقاومة طغيان الحكام، ورفض الظلم الاجتماعي. ثم أضيف إليهما عنوان ثالث بعد الاحتلال البريطاني عام 1882: الاستقلال الوطني.
وبعد الجلاء، لم تنته المعركة، بل عادت في صورة أخرى؛ نضال من أجل الدستور، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
سلسلة من الثورات الكبرى تتخللها انتفاضات أصغر، لكن الهدف ظل واحدًا: الانعتاق من قبضة الحاكم الفرد، مهما تغيّر اسمه أو تبدّل خطابه.
في يوم 28 يناير 2011، حين واجه المصريون طغيان السلطة بأجسادهم العارية وأصواتهم العالية، كان قرنان من الزمان يطلان من شرفة التاريخ.
لم تكن الثورة قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا له.
جيلا بعد جيل، يعود السؤال نفسه في صور مختلفة: إلى متى؟ وبأي كلفة؟ وبأي أفق؟ غير أن ما أربك الوعي، وأربك أي محاولة للفهم، لم يكن سقوط رأس النظام، بل ما تلاه.
بعد نشوة الشعور بأننا أمسكنا بالمستقبل، صحونا فجأة على كابوس ثقيل. بدا وكأن التاريخ، الذي ظنناه سندًا، قرر أن يضعنا أمام امتحان لم نستعد له.
كيف يمكن تفسير حنين البعض اليوم إلى ثلاثين سنة من الجمود والقهر والفساد والقمع، والدفاع عنها كأنها كانت زمن رخاء وكرامة؟ كيف يُعاد تلميع الاستبداد بوصفه استقرارًا؟
هنا يتجاوز السؤال السياسة ليصير سؤالا مجتمعيا: من نحن؟ وماذا نريد؟ ولماذا نعجز، كمجتمع، عن إنتاج إجابة مشتركة، أو حتى حدٍّ أدنى من التوافق؟
قمنا بثورة بلا تخطيط مسبق، نعم، لكنها نجحت لأن معادلة القهر والاستبداد والظلم تجاوزت كل قدرة على الاحتمال.
غير أن هذا النجاح أدخلنا سريعًا في دوامة من البدايات الجديدة، وتفاعلات متداخلة، وصراعات لم نكن مستعدين لها.
للمرة الأولى نشارك فعليًا في كتابة دستورنا، وللمرة الأولى ننتخب رئيسنا. راودنا حلم أن يكون الشعب هو مصدر كل سلطة، يُسترضى ولا يُقهر، وتُحترم إرادته لا يُلتف عليها.
لكننا، في الواقع، رسبنا في امتحانات الإرادة. في التعديلات الدستورية، ثم في انتخابات البرلمان، ثم في الامتحان الأكبر: انتخاب الرئيس.
تعددت الإرادات بتعدد المصالح، وظهرت الأهداف الخفية، وتنازلنا عن البرامج الواضحة مقابل الرموز، وعن التفاصيل مقابل العاطفة.
وجدنا أنفسنا بين خيارين أحلاهما مر، فُرض المر علينا، ومع كل خطوة ازداد الانقسام، حتى صار الشعب الواحد شعوبًا متعددة، ترى الخلاف قبل أن ترى المشتركات، وتسمع لغة الإقصاء قبل لغة الوطن.
ثم عاد وجه الاستبداد القبيح، وعاد الفساد يمارس هوايته القديمة في نهش لحم البلد. الغلاء يطحن المواطن، القهر يتضاعف، وفئات اجتماعية باتت أفقر مما كانت عليه، فيما يتآكل الأمل ببطء، ويترك خلفه فراغًا خطِرًا، قابلًا للانفجار في أي لحظة.
لماذا، بعد أن شببنا عن الطوق، وبعد أن أسقطنا المستبد، نعود أدراجنا إلى طفولة سياسية ثانية؟ لماذا ينتكس شعب قدّم الشهداء والمصابين إلى النوم في أحضان الديكتاتور، كأن الاستبداد قدر لا فكاك منه؟
هنا، يتراجع الحدث إلى الخلف، ويتقدّم السؤال: ماذا فعلت بنا يناير، لا ماذا فعلنا نحن بها؟
لا تعود يناير، عند هذه النقطة، واقعة تبحث عن حكم أخلاقي، ولا ذكرى تُستدعى للاحتفال أو للندم، بل تتحول إلى مرآة كبرى كشفت المجتمع أكثر مما أسقطت النظام. فالمأزق الذي واجهناه لم يكن مأزق سلطة فقط، بل مأزق وعي، وبنية اجتماعية لم تنضج بعد لتحمل كلفة التحول.
إن محاولة فهم يناير تقتضي الاعتراف بأنها لم تكن انفصالًا عن التاريخ، بل ذروة لمسار طويل من الصراع بين مجتمع يثور كلما ضاقت به سبل العيش والكرامة، ودولة تعيد إنتاج منطقها السلطوي مهما تغيّرت الوجوه.
صراع لم يُحسم يومًا، بل ظل مؤجلًا، يتبدّل شكله، ويعيد طرح الأسئلة ذاتها حول السلطة، والخوف، والشرعية، ومعنى السياسة.
ولهذا، فإن أي كتابة جادة عن يناير لا يمكن أن تكتفي بتوثيق الأيام أو تعداد الأخطاء أو توزيع الاتهامات، بل تحتاج إلى مشروع معرفة متكامل؛ يقرأ التاريخ بوصفه بنية لا حكاية، ويفكك المجتمع بوصفه فاعلًا مترددًا لا ضحية بريئة، ويفهم السياسة بوصفها ممارسة طويلة النفس، لا لحظة احتجاج عابرة.
ليس الهدف من هذا كله اجترار لهزيمة لم تقع، بل حماية المستقبل من إعادة إنتاجها.
المسألة لم تكن يومًا في غياب الرغبة في التغيير، بل في غياب الشروط الاجتماعية والسياسية التي تحميه وتحوله من فعل احتجاجي إلى مسار تاريخي مستدام.
الحرية، كما كشفت يناير، ليست لحظة بطولة، بل مسؤولية ثقيلة، لا يقوى عليها مجتمع لم يحسم بعد علاقته بالخوف، ولا بالدولة، ولا بنفسه.
وهكذا تبقى يناير، لا فشلًا ولا انتصارًا، بل إنذارًا مبكرًا. ثورة كشفتنا، قبل أن تغيّرنا، وتركت لنا سؤالًا مفتوحًا، لا في الذاكرة وحدها، بل في المستقبل:
هل نملك الشجاعة لا لأن نثور من جديد، بل لأن نفهم أنفسنا أولًا؟
-----------------------------
بقلم: محمد حماد






